الجاحظ

170

الحيوان

فأنكرت كثرة الذّبّان . فلما كان الغد جاء منه ما لم أقدر معه على الأكل والشرب . وذهبت القائلة وذهب الحديث ، وشغلت بالذّبّ . على أنهنّ لم يكن يبرحن بالذّبّ ، وكنّ أكثر من أن أكون أقوى عليهنّ ؛ لأنّي كنت لا أطرد مائة حتى يخلفها مائة مكانها . وهنّ في أول ما يخرجن من الباقلاء كأنّ بهنّ زمانة [ 1 ] فلما كان طيرانهنّ أسوأ كان أسوأ لحالي ، فقلت للملاح : ويلك ! أيّ شيء معك حتى صار الذبان يتبعك ! قد واللّه أكلت وشربت ! قال : أو ليس تعرف القصّة ؟ قلت : لا واللّه ! قال : هي واللّه من هذه الباقلاء ، ولولا هذه البليّة لجاءنا من الرّكاب كما يجيئون إلى جميع أصحاب الحمولات . وما ظننته إلّا ممن قد اغتفر هذا للين الكراء ، وحبّ التفرّد بالسفينة . فسألته أن يقربني إلى بعض الفرض [ 2 ] ، حتى أكتري من هناك إلى حيث أريد ، فقال لي : أتحبّ أن أزوّدك منه ؟ قلت : ما أحبّ أن ألتقي أنا والباقلاء في طريق أبدا ! . 805 - [ من كره الباقلاء ] ولذلك كان أبو شمر لا يأكل الباقلاء ، وكان أخذ ذلك عن معلّمه معمّر أبي الأشعث . وكذلك كان عبد اللّه بن مسلمة بن محارب والوكيعيّ ومعمّر ، وأبو الحسن المدائني ، برهة من دهرهم . وكان يقول : لولا أنّ الباقلاء عفن فاسد الطّبع ، رديء يخثّر الدّم ويغلّظه ويورث السّوداء وكلّ بلاء - لما ولّد الذّبان . والذّبان أقذر ما طار ومشى ! وكان يقول : كلّ شيء ينبت منكوسا فهو رديء للذّهن ، كالباقلاء والباذنجان . وكان يزعم أنّ رجلا هرب من غرمائه فدخل في غابة باقلاء ، فتستّر عنهم بها ، فأراد بعضهم إخراجه والدخول فيها لطلبه ، فقال : أحكمهم وأعلمهم كفاكم له بموضعه شرّا ! وكان يقول : سمعت ناسا من أهل التجربة يحلفون باللّه : إنّه ما أقام أحد أربعين يوما في منبت باقلاء وخرج منه إلّا وقد أسقمه سقما لا يزايل جسمه . وزعم أنّ الذي منع أصحاب الأدهان والتربية بالسمسم من أن يربّوا السّماسم [ 3 ]

--> [ 1 ] الزمانة : العاهة « القاموس : زمن » . [ 2 ] الفرض : جمع فرضة ، وهي محطّ السفن من البحر « القاموس : فرض » . . [ 3 ] السّماسم : طائر « القاموس : سمم » . وفي حياة الحيوان 1 / 566 : ( السّمائم : جمع سمامة ، وهو ضرب من الطير كالخطاف ، وقيل هو السنونو ، وهو الطير الأبابيل الذي أرسله اللّه تعالى على أصحاب الفيل ) .